لباس الشهرة .. ماهيته.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
من قرأ عبارات الفقهاء والمؤلّفين في الآداب يجد أن المراد بالشهرة ما خالف عادة أهل بلده وعرفَهم .
والمذهب عند الحنابلة أنه يكره كراهة تنزيه ولا يحرم ..
قال في غذاء الألباب : ( ونص الإمام أحمد رضي الله عنه على أنه لا يحرم ثوب الشهرة , فإنه رأى رجلا لابسا بردا مخططا بياضا وسوادا , فقال : ضع هذا , والبس لباس أهل بلدك , وقال : ليس هو بحرام , ولو كنت بمكة , أو المدينة لم أعب عليك ) .
قال الشيخ العلاّمة بكر أبو زيد رحمه الله في رسالته ( حدّ الثوب والأزرة ) :
(وتحصل الشهرة بِتَميُّزٍ عن المعتاد: بِلَوْنٍ, أَو صفة تفصيل للثوب وشكل له, أَو هيئة في اللبس, أَو مرتفع أَو منخفض عن العادة. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: ((يحرم لبس الشهرة, وهو مَا قَصَدَ به الارتفاع, وإِظهار التَّرَفُّعَ, أَو إِظهار التواضع والزهد, لكراهة السلف لذلك)) انتهى من: ((الإِنصاف)). وقال غير واحد من السلف: لباس الشهرة مما يُزْرِي بصاحبه, ويُسْقِط مروءته. وقال المرداوي في: ((الإِنصاف)): فوائد: ((منها: يكره لبس ما فيه شهرة, أَو خلاف زي بلده من الناس, على الصحيح من المذهب)) انتهى .
وقال مَعْمَرٌ: عَاتَبْتُ أَيُّوبَ عَلَى طُوْلِ قَمِيْصِهِ, فقال: ((إِن الشهرة فيما مضى, كانت في طوله, وهي اليوم في تشميره)) ذكره ابن الجوزي في: ((تلبيس إِبليس)) مرتين, معلقاً, ثم مسنداً في: ((ذكر تلبيس إِبليس على الصوفية في لباسهم)) وقال: ((وقد روى إِسحاق بن إِبراهيم بن هانيء, قال: دخلت يوماً على أَبي عبد الله أَحمد بن حنبل, وَعَلَيَّ قميص أَسْفَلَ من الركبة, وفوق الساق, فقال: أَي شيء هذا, وأَنكره, وقال: هذا بالمَرَّةِ لا ينبغي)) انتهى. وَقِفْ على كلامه [من ص211- ص232] لَعَلَّكَ تَرْفُق بِنَفْسِكَ, وتتبع السنة بلا شهرة ولا شهوة, ولا إِفراط ولا تفريط .
قال الدكتور ناصر بن محمد بن شري الغامدي في كتابه ( لباس الرجل أحكامه وضوابطه ) ، وهو عبارة عن رسالة دكتوراه ، ومن أجمع وأفضل الكتب التي تحدثت عن لباس الرجل -وهو كتاب قيم في بابه - فيقول :
لباس الشهرة يختلف من زمن لآخر ، فما يُعد في زمن شهرة قد لا يعد في زمن آخر كذلك ، وما يُعتبر شهرة في بلد أو مجتمع قد لا يكون كذلك في غيره من البلاد والمجتمعات .
ومن الضوابط في لباس الشهرة مايلي :
1- أن يلبس الشخص خلاف زيّه ولباسه المعتاد لقصد الاشتهار ، فإن هذا تشهير بنفسه ، وتفطين إليها ، كما لو لبس الإنسان ثوبا مقلوبا أو لباسا لا يلبس مثُله مثله .
2- أن يلبس الشخص خلاف زيّ أهل بلده من غير حاجة تدعو إلى ذلك ، فما يفعله بعض الشباب في هذه البلاد من لبس الملابس المخالفة لزي أهل بلدهم ، كاللباس الافغاني أو السوداني أو الرياضي أو الإفرنجي مثلا من غير حاجة إلى ذلك ، والخروج به إلى الأسواق ، بل الدخول به إلى المساجد وأماكن العبادة ، ومجتمعات الناس ؛ هو في الحقيقة من لباس الشهرة المحرم الذي تشمله النصوص الشرعية ، لأنه خارج عن لباس أهل بلده وعشيرته ، وسبب لغيبته والوقوع في عرضه ، والإشارة إليه .
3- كل لباس أزرى بصاحبه ، فهو لباس شهرة محرم ، كما يفعله بعض المتعبدين والزهاد مما يقصدون به الارتفاع عن الناس ، وإظهار التواضع ، والزهد ، وقد يجمع إلى الشهرة الرياء ، وهذا من كبائر الذنوب المهلكة .
4- كل لباس يلبسه الإنسان على وجه التسيد والبروز والتفاخر به على الناس .
5- ليس ثوب الشهرة مختصا بنفس الثياب ، بل كل ثوب - ولو كان رثا رديئا - يلبسه الإنسان ، ويؤدي به إلى الشهرة ، أو يلبسه بقصد الاشتهار به بين الناس فهو ثوب شهرة محرم ، لأن التحريم يدور مع الاشتهار ، والمعتبر لقصد .
ووصف الإمام الثوري رحمه الله السلف بقوله : ( كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ، ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم ، والثياب الردئية التي يُحتقر فيها ، ويُستذل دينه ) .
وبه يعلم أن من لباس الشهرة الداخل في عموم النهي ما يلبسه بعض الساخرين ، والمهرجين ، والممثلين ، ومن يحترفون الضحك والدعابة على الناس ، ليعجبوا من صنيعهم ، ويضحكوا من فعالهم .
والله أعلم بالصواب.
|