فتوى رقم 0020
ماحكم صلاة تحية المسجد ؟
وإذا دخلت والإمام يخطب أو هناك داعية تلقي درساً فهل من الواجب ان يصليها الشخص ؟
وماحكم من تركها ؟
أفتنا في امرنا بارك الله فيك وسدد على طريق الحق خطاك ؟
الأخت المشاركة:
الجواب على أسئلتك أقول وبالله التوفيق :
تحية المسجد اختلف فيها العلماء، وأكثر العلماء على أن تحية المسجد سنة. وبعضهم يرى أنها واجبة. والقول بالوجوب قوي؛ ولكن يترجح عندي ـ والله أعلم ـ أن تحية المسجد سنة مؤكدة وليس واجبة وهو رأي الإمام ابن حزم الظاهري والسنة أن الرجل إذا دخل المسجد في وقت النهي فلا يجلس حتى يصلي تحية المسجد، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين » .
ومن الأدلة الصارفة عن وجوب تحية المسجد ما أخرجه النسائي ، في " سننه " (3 / 114) رقم (1398) باب:" النَّهْيُ عَنْ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَانِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيْ اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ ".
وَبِأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ عَلَّمَهُ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ فَقَالَ : لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا : " أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ ". ولم يوجب عليه تحية المسجد.
وَسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ " هَلْ تُفْعَلُ " فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ ؟ أَمْ لَا ؟ .
فَأَجَابَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ } فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ نَهْيٍ فَهَلْ يُصَلِّي ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ ؛ لَكِنْ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُصَلِّي فَإِنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ قَدْ خُصَّ مِنْ صُوَرٍ كَثِيرَةٍ . وَخُصَّ مِنْ نَظِيرِهِ . وَهُوَ وَقْتُ الْخُطْبَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ } فَإِذَا أَمَرَ بِالتَّحِيَّةِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ فَفِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . مجموع فتاوى ابن تيمية (5 / 312)
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية (9 / 299) مانصه:
"الصحيح من قولي العلماء أن الإنسان إذا دخل المسجد ولو في وقت النهي صلى تحيته ولو في غير المساجد الثلاثة، عملا بعموم حديث « إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين » ، وحملا لأحاديث النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها وعند استوائها وبعد العصر وعند الغروب - على النفل المطلق دون الفرائض وذوات الأسباب من النوافل كتحية المسجد وركعتي الطواف، فتصلى كل منهما بعد العصر وبعد الصبح وفي سائر أوقات النهي وفي سائر المساجد. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
وأما من دخل المسجد والإمام يخطب الجمعة فيتأكد عليه أداء تحية المسجد على الراجح من أقوال أهل العلم.
فقد روى مسلم أن سليكا الغطفاني جاء يوم الجمعة ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخطب ، فجلس ، فقال له " يا سليك ، قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " ثم قال " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " وفيه عدة روايات .
يقول النووي في "شرح صحيح مسلم" "ج 6 ص 164 ": هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإِمام يخطب ، استحب له أن يصلى ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما ، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدها الخطبة، وحكى هذا المذهب أيضا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين .
قال القاضي : وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين : لا يصليهما . وهو مروى عن عمر وعثمان وعلى رضي اللَّه عنهم ، وحجتهم الأمر بالإِنصات للإِمام ، وتأولوا هذه الأحاديث على أنه - يعنى سليكا - كان عريانا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه .
وهذا تأويل مرجوح يرده صريح قوله صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " وهذا نص لا يتطرق إليه أي تأويل لأنه عام لا يخص سليكا وحده ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه .
ثم قال النووي : وفى هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام في الخطبة لحاجة ، وفيها جوازه للخطيب وغيره ، وفيها الأمر بالمعروف والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن .
وفيها أن تحية المسجد ركعتان ، وأن نوافل النهار ركعتان وأن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق جاهل حكمها، وقد أطلق أصحابنا - الشافعية - فواتها بالجلوس ، وهو محمول على العالم بأنها سنة ، أما الجاهل فيتداركها عن قرب لهذا الحديث .
والمستنبط من هذه الأحاديث أن تحية المسجد لا تترك في أوقات النهي عن الصلاة، وأنها ذات سبب تباح في كل وقت ، ويلحق بها كل ذوات الأسباب ، كقضاء الفائتة ونحوها ، لأنها لو سقطت في حال لكان هذا الحال أولى بها ، فانه مأمور باستماع الخطبة فلما ترك لها استماع الخطبة وقطع النبي صلى الله عليه وسلم لها الخطبة وأمر بها بعد أن قعد وكان هذا الجالس جاهلا حكمها ، دل على تأكدها وأنها لا تترك بحال ولا في وقت من الأوقات .انتهى .
وقد تحدث العلماء قديما وحديثا في هذا الموضوع ، وعلمنا مما تقدم اْنه من الأمور الخلافية ، فلا ينبغي التعصب لرأي خلافي ، فمن صلى تحية المسجد قبل أن يجلس والإِمام يخطب لم يرتكب إثما، وكذلك من دخل وجلس ولم يصلِ التحية لم يرتكب إثما، ومن جلس ولم يصل ثم قام يصلى أثناء الخطبة وكان جاهلا بذلك فيوجه برفق لا شوشرة فيه.
كما أن من دخل المسجد وكان فيه درس أو محاضرة أو نحوهما سنّ له أن يصلي تحية المسجد
حتى ولو كان في وقت نهي؛ لأنها من ذوات الأسباب كما تقدم ذكره.
والقاعدة العامة " أن كل صلاة ذات سبب فإنها جائزة في وقت النهي ".
والله تعالى أعلم
قسم الدعم الفني
|